اعمدة الرأي

القيادي محمد عصمت يكتب عن ذكريات الثورة

المكان : الزنزانة 20 الطابق الثاني في معتقل موقف شندي المشهور بالتلاجة لبرودة زنازينه……
——————————
في مثل هذه الساعات من فجر ١١ أبريل ٢٠١٩ لم يغمض لي جفن فالأخبار مع تقطع تواترها كانت تشي بأن الثورة على نظام جماعة الإسلام السياسي قد قطعت شوطاً بعيداً في عملية إقتلاعه.. صوت الرصاص المتقطع حينا والمتواصل حينا آخر ما كان يسمح بالنوم مع ما توفر من شحيح المعلومات..
صلينا ومن معي في الزنزانة صبح الخلاص حاضراً وجلسنا ننتظر شاي الصباح السادة بواسطة الحراس يتناوشنا مزيج من قهر الإعتقال ووشوشات الأمل الكائن في الدواخل بمقاومته ..
جاء الشاي السادة مبكراً محمولا بأيد راجفة وعيون جاحظة وقلوب واجفة تحكي مشاعر الخذلان والهوان لأول مرة منذ أن لامست ظهورنا وجوارحنا أرضية الزنازين وبينهما لحاف إسفنج أكل عليه دهر الإستخدام وشرب..
كانت مشاعرهم متبدلة من الزهو السخيف إلى هون ضعيف جراء ما عاشوه خلال خمس أيام انصرمت فدكت معاقلهم دكا و فرقت جحافلهم شتى فبدوا إلى اللطف أقرب..
لم ننته من تناول الشاي (باللبن المجلوب بواسطة الأسر) حتى فاجأنا إرسال التلفزيون المقطوع بعودته داخل أعلى الزنزانة يعلن عن بيان بعد قليل وما بين قليل وقليل كانت المارشات عسكرية التي لم يرتح إليها قلبي إذ ما زالت ذكريات أبريل المسروق عالقة بأهداب قلبي..
جاء بعدها أحدهم وهو يتجمل بالفرح قائلاً – عبر فتحة تعلو باب الزنزانة والتي بالكاد تتسع لمرور صحن لا يشبع خمسة أفراد – ومرددا عبارة مألوفة (شيل كيسك) تعني في المعتقل إما الترحيل إلى معتقل آخر أو إطلاق السراح..
كانت العبارة التي رددها الحارس لنا هي (السياسيين شيلو أكياسكم) فالمعتقل لا يسمح له بحقيبة أيا كانت إمعانا في الإذلال.. حينها تأكد لنا أن أبناء وبنات الشعب السوداني قد فعلوها فتسامت المشاعر وتساقطت الدموع وتلاصقت الأحضان وسط إنفعالات لن ولم تنمح من الذاكرة حتى الرحيل الأبدي..
بدأنا بعدها جمع الحوائج المعطونة بذكريات إمتدت لثلاث أشهر ونصف قضيتها بين جدران الزنزانة 20 دخلها من دخلها وغادرها من غادرها وأنا بها حتى ذلك اليوم المشهود 11 أبريل 2019..
الزنزانة 20 سعدت فيها بكرام السياسيين السودانيين شيبا وشبابا ربما لا يتسع هذا الحيز الخواطري بتعدادهم ولكن العودة لهم مرة قادمة سيظل من المأمولات بإذنه تعالى..
خرجنا بعدها إلى البهو الأرضي لإكمال إجراءات الخروج دون الإستجابة لرجاءات الحرس وتوسلاتهم بتناول إفطار الفول أو العدس وتهانيهم لنا بسلامة الخروج وطلب العفو بصوت خفيض..
شاء حظي أن أكون من أوائل الخارجين بحكم أقدمية بعض قوائم المعتقل مع غيري من الرفقاء في أول بص كبير يغادر معتقل موقف شندي أفسحوا لي فيه المقعد المجاور لبابه..
خرج بنا البص فتجاوز بنا مباني جهاز الأمن الممتدة بين جانبي الشارع.. كنت أول النازلين من البص وكأني مبعوث من قبر..
ما أروع غضبك يا شعبي الذي قهر الظلام..
كنت أتنقل بعيني الباكيتين بين دهشة ودهشة فلا أرى إلا السودان حاضراً بأجمعه أمامهما فلا يجد القلب من مناص سوى السجود لله وطأطأة الرؤوس للوطن المفدى..
محمد عصمت يحي

مقالات ذات صلة

إغلاق