اعمدة الرأي

صلاح الدين عووضة – العدة !!

هل تذكرون قصة الخطيب؟..

قصة الصياح والصراخ والنباح ؛ قدحاً في نزاهة سكرتير الحزب الشيوعي هذا؟..

فقد اُتهم بأنه استلم أرضاً استثمارية بتسهيلات من الوالي..

ولما نفى عبد الرحمن الخضر – الوالي آنذاك – هذا الأمرهدأ الصياح… والنباح..

ولم تحتفالأسافير بالبراءة كما احتفت بالإدانة…شيء عجيب..

وعجائب أخلاقنا السودانية تفاقمت في زماننا هذا….بتفاقم عجائبه الكثيرة..

ومنها أننا صرنا نستمد سعادة من تعاسة الآخرين..

نفرح إذا حزنوا…ونحزن إذا فرحوا ؛ ونضحك إذا بكوا…ونبكي إذا ضحكوا..

وهي عجائب ذكَّرتنا بمقولة نُسبت إلى الراحل عبد الله الطيب..

قال – حسبما سمعنا – أن أشد قبائل العرب حسداً هي التي هاجرت إلى السودان..

ومهاتفة من زميل مصرفي قديم أوحت لي بفكرة كلمتي هذه..

فقد كنت مصرفياً – إلى جانب ممارسة الصحافة كهواية – قبل انقلاب الإنقاذ..

ثم طاردتني الإنقاذ هذه – كما آخرين – زنقة…زنقة..

وصرت مثل بطل مسلسل الهارب الشهير…كل يوم في بنك فتلحقني الإنقاذ..

تلحقني عبر أذرع زملائنا الإسلاميين الذين استلموا نقاباتنا..

حتى عندما تركت المصارف العامة ولجأت إلى الخاصة لحقتني الأذرع أيضاً..

لحقتني عبر ذراع (الدمج) الطويلة هذه المرة..

فلما (ركزت) جاءوني من جبهة الخدمة الوطنية الإلزامية..

فلما رفضت عمدوا إلى تخفيض درجتي الوظيفية…ومن ثم – تلقائياً – الإدارية..

فلما استجرت بآخر مصرف خارج دائرة الدمج لحقوني أيضاً..

ولكن رئيسة النقابة كانت (كوزة ظريفة)…فلم ترهقني من أمري عسرا..

فتخطتها الضربة القاضية الأخيرة وأتت من وراء ظهرها..

وطعنتني في ظهري أنا…اتهاماً في ذمتي المالية..

وهو الاتهام الذي ما زال يعجب بعض الزملاء إلى يومنا هذا…ولا عجب..

لا عجب في ذلك بما أن عرق طبائعنا هذه دسَّاس..

رغم إنني كتبت عن هذه البراءة كثيراً…ونسبتها إلى قاضي الجهاز المصرفي..

وذكرته بالاسم ؛ وهو مولانا عليش..

ثم بعد أن تفرغت بعد ذلك للصحافة تخلصت نهائياً من أذرع المطاردات المصرفية..

ولكني أصبحت أسير مطاردة من نوع آخر..

مطاردة تستهدف (عدة شغل) أخرى هي القلم…وما يجنيه..

وفوجئت بأن هذا الزميل (اليساري) القديم خاض تجربتي ذاتها…بهروبها المتكرر..

طاردوا (عدة شغله) المحاسبية حارة حارة…وزنقة زنقة..

كلما يلتحق بمؤسسة…أو شركة…أو هيئة يُقال له (ح تهرب مننا وين؟)..

وفي النهاية هرب إلى عمل خاص…وأضحى تاجر (عدة)..

وما يُحيره إلى الآن فرحة الناس – وشماتتهم – بهذا التحول في حياته العملية..

ولكن ما يُسعده أنه لم يعد يخاف على شيء..

حتى العدة !!.

انتهت – لحد هنا – هذه الكلمة التي كنت كتبتها أواخر حقبة الإنقاذ..

فقد كنا (نداري) على شمعة عدتنا لـ(تقيد) في الظلام..

ولكن ما يحيرني أن زملاءنا من منسوبي العهد البائد لا يخافون على عدتهم الآن..

فهم يشحذونها للنيل من الثورة بكل ما أُوتوا من حقد…وحسد..

ثم لا يخشون مصادرة لها…ولا حبسا…ولا تجميدا ؛ كما كان يحدث لنا آنذاك..

بل ولا يخشون حتى استدعاءً لهم – ولها – إلى مباني الأمن..

ورغم ذلك يحاسبون الثورة بشعاراتها..

والتي تتسق مع شعارات دين صرخوا بشعاراته – ثلاثين عاماً – ولم يعملوا بها..

ومنها شعار العدل..

فهل هذا من العدل في شيء؟..

أن يطالبوا – عياناً بياناً – بسقوط حكومة الثورة هذه والتبشير بعودة نظامهم؟..

ثم لا يخافون على أنفسهم…ولا حريتهم…ولا أرزاقهم؟..

ولا حتى (عدتهم) ؟!.

 

مقالات ذات صلة

إغلاق