اعمدة الرأي

بشفافية – حيدر المكاشفي- الخرطوم (تندل) كبير..أكان شالوه ما بنشال وأكان خلوه سكن الدار

في الأنباء أن وزير البنى التحتية والنقل هاشم طاهر، أعلن عن اتجاه لإنشاء عاصمه إدارية جديدة لتخفيف الضغط على العاصمة الحالية الخرطوم، وبرر الوزير هذا (الاتجاه) بأن العاصمة الحالية الخرطوم تتمدد أفقيا بسرعة فائقة، حتى أصبحت أشبه بـالقرية الكبيرة التي يصعب إقامة مشروعات جديدة فيها في مجال بناء شبكات الصرف الصحي وغيرها من البنيات التحتية، مما يجعل من المهم التفكير في إنشاء عاصمة إدارية جديدة تسهم في فك الاختناقات التي تعاني منها العاصمة الحالية، وحدد الوزير منطقة شرق النيل موقعا للعاصمة الادارية الجديدة.. وهكذا يضيف هذا الوزير مقترحا جديدا ينضم لسلسلة طويلة من المقترحات والدراسات السابقة التى عنيت بحل مشكلة الخرطوم (كرش الفيل) التي تمددت وتكرشت حتى بلغت حدود الولايات المحاددة لها أو كادت، كما اخشوشن جلدها واحتوطبت وتكلست عظامها، وكان دائما ما ينتهي مثل هذا المقترح بانتهاء مراسم دفنه داخل الاضابير أو في سلال المهملات، ولو قدر لمقترح الوزير الجديد ان يتحقق ويرى النور أخاله سيعبر فرحا عن الانجاز بقوله (وداعا وسخ الخرطوم) على قول الزعيم الجنوب سوداني باقان أموم الذي تنسب له هذه العبارة بعد ظهور نتيجة الاستفتاء التي أفضت الى انفصال الجنوب، ولكن جريا على السنة الديوانية الجارية فالمؤكد أن المقترح الجديد سيلحق بسابقيه لا محالة، وتبقى الخرطوم هي الخرطوم على حالها مثل (التندل بكسر التاء والدال) أي (الكوشة) الذي تقول عنه الغلوتية (أكان شالوه ما بنشال وأكان خلوه سكن الدار).. فلم تنتقل الخرطوم الى مروي ولا كوستي كما جاء في بعض المقترحات، ولا إلى أي مكان آخر في السودان من سوبا إلى الدمازين بحسب احدى الدراسات، وبالتالي لم يكن انشاء عاصمة تجارية في منطقة قري الا حلما من أحلام ظلوط الديك الممعوط..
من المعلوم أن نقل العواصم بحسب التجارب العالمية المعروفة يتم إما بسبب الاكتظاظ السكاني المفرط، أو الهيمنة العالية للعاصمة على باقي مدن البلاد، أو بسبب التهديد العسكري المباشر للعاصمة لسوء موقعها الجغرافي والجيوسياسي، أو من أجل التخفيف من التقاليد القديمة للإدارة العامة، أو لتسوية النزاع بين المدن التي تملك مؤهلات متساوية للحصول على مركز العاصمة، أو لتنمية المناطق التي تنقل إليها العاصمة، ومن بين الأسباب أعلاه يبدو جليا أن حجة المنادين بنقل العاصمة من موقعها الحالي ومبررهم الأساسي هو الزيادة السكانية المفرطة والقابلة للانفراط يوما بعد يوم، مع تمدد حدود الولاية حتى حاددت عدداً من الولايات بلا فواصل ولامس عدد سكانها سقف الثمانية ملايين، الأمر الذي شكل ضغطا رهيبا على المرافق والخدمات المحدودة والعاجزة عن سد حاجة هذا الحجم من السكان، وكل هذا الذي يقوله المنادون بنقل العاصمة صحيح ولا خلاف عليه، ولكن هل بمجرد نقل العاصمة إلى أي جهة أخرى سيقضي ضربة لازب على كل المشاكل التي عانتها الخرطوم… الرأي عندي كما هو عند آخرين، أن مشكلة العاصمة لن تحل بمجرد نقلها إلى موقع آخر (إن توفرت الإمكانيات)، فمشكلة العاصمة هي في الأساس مشكلة السودان المتمثلة في التنمية غير المتوازنة، ولهذا كان الأوجب أن يتجه التفكير أولا لوقف مد الهجرة المتصاعد إلى العاصمة بتنمية الولايات وتحريك الريف الذي أصبح طاردا، ليس فيه من سبل كسب العيش والخدمات من صحة وتعليم وغيرها ما يغري بالبقاء فيه، بل فضل أهله على هذا الحال التعيس التكدس في أطراف العاصمة وهوامشها ولسان حالهم يقول (الجابرنا على المر الأمر منه)، وعليه الأسلم بدلا من التفكير في إنشاء عاصمة جديدة تكلف مليارات الدولارات (إن وجدت)، استثمار هذه الأموال في إحياء موات الأرياف، وإلا فإن العاصمة الجديدة ستشهد هجرات جديدة وتكدسا جديدا، وستعيد إنتاج ذات الأزمات وسيظل الحال محلك سر.. وكأننا يا عاصمة لا رحنا ولا جينا..

 

مقالات ذات صلة

إغلاق