تحقيقات وتقارير

إشتباك داخلي .. عقب أعلان عزم الخرطوم التطبيع مع تل أبيب

السياسي : لبابة جفون

حالة من الارتباك سادت أروقة الخارجية عقب التصريحات المتضاربة التي صدرت عن قيادات في وزارة الخارجية السودانية حول توقيع إتفاق سلام مع دولة إسرائيل. رغم ذلك استيقظ رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتينياهو من قيلولته، يطارده حلمه الأبدي بكسر حاجز الطوق من حول دولته الذي توَّجه قبل أيام قليلة بإعلان تطبيع العلاقات مع دولة الإمارات العربية المتحدة كواحدة من أهم إنجازاته السياسية والدبلوماسية، استيقظ وتصريحات الناطق الرسمي باسم وزارة الخارجية السودانية د. حيدر بدوي صادق تسد عليه الأفق فيغرد كما عصفور جزل على عجالة “لاحقا للقاء رئيس الوزراء نتنياهو مع رئيس المجلس السيادي السوداني الفريق أول عبد الفتاح البرهان، يرحب رئيس الوزراء نتنياهو بموقف وزارة الخارجية السودانية الذي يعكس القرار الشجاع الذي اتخذه رئيس مجلس السيادة السوداني والذي دعا للعمل على تعزيز العلاقات بين البلدين”

ويضيف في عجالته “إسرائيل والسودان والمنطقة بأسرها ستربح من اتفاقية السلام وتستطيع أن تبني معا مستقبلا افضل لجميع شعوب المنطقة. سنقوم بكل ما يلزم من أجل تحويل هذه الرؤية إلى حقيقة واقعة”.

الحلم والحقيقة

لم يكن حلم نتنياهو منبتاً، وإنما مرسوم بدقة ليصل إلى مشارف الواقع. فعقب إعلان الإمارات توقيعها إتفاق سلام مع إسرائيل وما أثارته الخطوة من ردود أفعال متباينة هنا وهناك، ورد إسم السودان داخل أجهزة المخابرات الإسرائيلية كخطوة تالية للتوقيع على دفتر التطبيع. وهو ما كشفته تصريحات وزير الإستخبارات الإسرائيلى إيلى كوهين، والتي توقع ضمنها بأن يتم إتفاق سلام بين إسرائيل والسودان كاشفاً عن استمرار الإتصالات بين البلدين وبحسب مصادره التي لا تخيب “فإنه قد يتم التوصل إلى إتفاق سلام بين البلدين قبل نهاية العام الحالى”.

ولم يغب إسم السودان وعلاقته مع إسرائيل داخل الدوائر الأمريكية المقربة من الرئيس ترامب، إذ كشفت مصادر إعلامية أن السودان ضمن دول عربية أخرى ستقدم على خطوة التطبيع مع إسرائيل قريباً، وهو ما أكد مستشار ترامب وصهره جاريد كوشنر الذي أكد أن دولاً عربية ستحذو حذو الإمارات قريباً. كاشفاً عن محادثات تجريها واشنطن مع دول عربية ستفضي إلى مزيد من إعلانات التطبيع خلال الأشهر القادمة.

رغم أن السودان جاء في آخر ترتيب الدول التي ستطبع مع إسرائيل من حيث التوقيت، إلا أن الناطق الرسمي باسم الخارجية السودانية د. حيدر بدوي صادق لم ينتظر طويلاً، إذ لم يجف بعد حبر تصريحات رجل المخابرات الإسرائيلي حتى أطلق تصريحاته الساخنة معبراً عن تطلع بلاده لإتفاق سلام مع إسرائيل.

أرض كوش

الإسبوع الماضى كانت عدد من المواقع السودانية تتناقل كتاب الشيخ المثير للجدل النيل ابو قرون )بنو إسرائيل فى أرض كوش ( الصادر عن مؤسسة أونيكس للدراسات والنشر بالتعاون مع المؤسسة العربية للنشر والدراسات، حيث ذهب الكاتب فى فرضيات جديدة بأن أرض الميعاد اليهودى هو السودان!!! وبعيدا عن المغالطات التأريخية وأسانيدها وأنها تبقى تخمينات تحتاج إلى أدلة، فإن توقيت نشر الكتاب يأتى متزامنا مع إنطلاقة صافرة التطبيع بين عاصمة اللاءآت الثلاث )سابقا( وتل أبيب تبدو قاب قوسين أو ادنى.

لا مفاجأة

لم تكن تصريحات الناطق باسم الخارجية مفاجئة مثل الخطوة التي اتخذها رئيس مجلس السيادة الفريق أول عبد الفتاح البرهان بلقائه رئيس الوزراء الإسرائيلي في مدينة عنتبي بيوغندا وبرعاية من الرئيس يوري موسيفيني في فبراير الماضي، والتي تمت في سرية تامة إلى أن كشف عنها نتينياهو في حالة زهو بانتصار دبلوماسي في غمرة إنشغال الساحة الإسرائيلية بالانتخابات. تلك الخطوة أثارت جدلاً كثيفاً داخلياً، فغير الذين يعارضون فكرة التطبيع مع إسرائيل، إنشغل البعض بصلاحية رئيس مجلس السيادة في إتخاذ الخطوة الأمر الذي استدركه البرهان لاحقاً بأن ما سيلي تلك الخطوة هو من شأن السلطة التنفيذية. إذ إعتبر الحزب الشيوعي السودان اللقاء “خرقاً واضحاً للوثيقة الدستورية، واستيلاء غير مشروع على دور الحكومة المدنية في مجال السياسة الخارجية”.

جواز السفر السوداني السابق

الناطق الرسمي ذهب إلى أبعد من ذلك في مؤتمره الصحفي الذي عقده بمقر وزارة الخارجية، بتأكيده أن لا تعارض بين موقف مجلس السيادة ووزارة الخارجية في العلاقة مع اسرائيل. وأن وجهة السودان بعد لقاء البرهان ونتينياهو هي التطبيع، مشيراً إلى أنه لم يدل بتصريحاته بشأن العلاقة مع إسرائيل من فراغ وإنما بحث ذلك مع وكيل ووزير الخارجية المكلف وإن ما ذكره لا يتعارض مع الموقف الرسمي. حديث الناطق الرسمي يؤكد أن ملف التطبيع مع إسرائيل انتقل من البرهان إلى السلطة التنفيذية التزاماً بمهام وصلاحيات المجلسين السيادي والوزراء حسب نص الوثيقة الدستورية.

إشتباك داخلي

لكن في الوقت الذي كان يواصل فيه د. حيدر بدوي صادق الإدلاء بتصريحاته عبر المؤتمر الصحفي من داخل مقر الوزارة، أصدر وزير الخارجية المكلف عمر قمر الدين بنفي كل ما جاء على لسان ناطقه الرسمي. ونشر الوزير المكلف تصريحاً صحفياً جاء فيه “تلقت وزارة الخارجية بدهشة تصريحات السفير حيدر بدوي صادق الناطق باسم الوزارة عن سعي السودان لإقامة علاقات مع اسرائيل، وأوجدت هذه التصريحات وضعا ملتبسا يحتاج لتوضيح.

تؤكد وزارة خارجية جمهورية السودان أن أمر العلاقات مع إسرائيل لم تتم مناقشته في وزارة الخارجية بأي شكل كان، ولم يتم تكليف السفير حيدر بدوي للإدلاء بأي تصريحات بهذا الشأن”.

وجهات نظر متباينة

بحسب وجهة نظر الدكتور يوسف صفى الدين في حديثه لـ”السياسي” فإن دوافع إسرائيل السياسية للتوقيع على اتفاق سلام مع السودان تتركز فى سعيها للحصول على الشرعية الدولية بتوقيع إتفاق سلام مع الدول العربية والإسلامية وتنفى عن نفسها صفة )الكيان المغتصب( بحسب قرار مجلس الأمن رقم ،242 وهو قرار أصدره المجلس فى 22 نوفمبر 1967 فى أعقاب الحرب العربية الإسرائيلية الثالثة والتى أسفرت عن هزيمة الجيوش العربية وإحتلال إسرائيل لمناطق عربية جديدة، حيث وصفها القرار بالكيان المغتصب وطالبها بالإنسحاب من الأراضى العربية وبتوقيعها إتفاقيات سلام مع الدول المعنية تسقط عنها هذه التهمة .

ويذهب فى هذا الإتجاه عدد من المراقبين يربطون توقيع إتفاقيات السلام مع التمهيد لتطبيق ما عرف بإسم )صفقة القرن( إلى أرض الواقع. وصفقة القرن هي مشروع السلام الذي طرحته الولايات المتحدة الأمريكية على الإسرائيليين والفلسطينيين وبتمويل من دول عربية لإنهاء الصراع بين إسرائيل وفلسطين، وهو المشروع الذي واجه معارضة فلسطينية وأدى إلى توتر العلاقة بينها وواشنطن.

وكان لرئيس حزب الأمة مبارك الفاضل رأي واضح في علاقة السودان بإسرائيل، فقد صرح لـ”السياسي” في حوار سابق، “أصحاب الشأن طبعوا مع إسرائيل فلماذا نحمل الهم أكثر من أصحاب الشأن أنفسهم ؟ ومضى الفاضل مضيفاً فى ذات الحوار مع السياسي : “الزاوية الاخرى من مصلحة السودان – ونظرتى براغماتية- والحديث عن الموقف العربى القديم لم يأت بنتائج والنتائج جاءت بعد الإعترافات والتفاوض والصراع الحادث طويل، والموقف العربى ممكن أن يكون مسانداً فى المحافل الدولية، لكن المقاطعة ما عادت من الوسائل الفعالة وانتهت بالنسبة لأصحاب الشأن. فإسرائيل يمكن أن تخدم السودان فى العلاقات مع أمريكا وكذلك لديها أفضل تكنولوجيا زراعية ونحن بحاجة لهذه التكنولوجيا والتقانة الزراعية لإنهاء حالة العجز الموجودة لزيادة إنتاجنا”.

من جهته قال القيادي بقوي إعلان الحرية والتغيير،حيدر الصافي، إنه لا ممانعة لبناء علاقات مع دولة إسرائيل. وأضاف الصافي لـ)السياسي( أذا كانت العلاقة مبنية على المصلحة الوطنية وفيها نوع من التكافؤ، ومكونات التغيير تتحدث عن بناء دولة التنوع الثقافي والمواطنة، وتابع “إذا هم يتحدثون بهذه اللغة، فيجب إلا يكون هنالك أعتراض على توقيع إتفاق سلام مع إسرائيل” على حد تعبيره.

لكنه أستدرك قائلا: “يجب على الحكومة الحالية والغير منتخبة ألا تتخذ قرارات ذات طابع سيادي، مثل بناء علاقات مع إسرائيل. وأردف الصافي بأنه لا يستعبد وجود إتصالات سرية تجري بين السودان وإسرائيل.

النقطة الأخيرة للصافي أكدها حزب الأمة القومي الذي أصدر بياناً صحفياً عقب تصريحات الناطق الرسمي مباشرة، وقال الحزب إن السودان يعيش الآن فترةً إنتقالية، ويرى الحزبُ أن البتَّ في المسائل الوطنية الخلافية هو من صميم إختصاص الحكومات الوطنية المنتخبة.

وأضاف البيان أن إسرائيل لم تزل محتلةً لأراض عربية، ولم يتم التوصل إلى أيِّ شكلٍ من أشكال التسوية النهائية بشأنها مع الفلسطينيين..وأيَّةُ علاقةٍ مع إسرائيل في ظل عدم إسترداد الأراضي العربية المحتلة، في تسويةٍ مقبولة، وإلتزامٍ بقرارات الشرعية الدولية لا مبرر لها.

وأشار البيان إلى دور السودان التاريخي في العمل المشترك مع الأشقاء في العالمين العربي والإفريقي، ورعاية السلم، وبناء التصالحات المتوافقة بين الأشقاء، لبسط الأمن والتعاون التنموي بينهم، وشدد على أن “هذا هو الدور الذي يأمله حزبُ الأمــة القومــي لبلادنا، وما يظل يعمل الحزب على هديِه لتوحيد المواقف القومية من كل القضايا المشتركة”.

ألقى الناطق الرسمي باسم الخارجية هذه المرة حجراً في بركة متحركة وليست ساكنة، فكان من الطبيعي أن تثير الخطورة الجانب الفلسطيني، فقد استنكرت الحركة الإسلامية الفلسطينية “حماس” الخطوة السودانية فيما غردت د. حنان عشراوي السياسية الفلسطينية المعروفة، متسائلة “أين هو شعب السودان الحر الثائر؟ السودان يعلن تطلعه لاتفاق مع إسرائيل”.

رغم الإرهاصات التي تشي بالخطوة، إلا أن تناقض تصريح وزير الخارجية مع ما جاء في حديث الناطق الرسمي أثارت الكثير من التساؤلات حول مراكز قرار اتخاذ القرار داخل السلطة الانتقالية.

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

إغلاق