اعمدة الرأي

من أشجان الذاكرة … عماد الدين العاقب

 

في عطبرة كنا نتسكع أمام سينما الجمهورية لنستمع لرائعة حمد الريح إلي مسافرة .. !!!

كان علي المسرح في جدة يغني فكتبت له قصاصة طالباً ” شقي الأيام ” … !!!

تغني بالعود ( لحن الحياة منك وما تقول نسينا الماضي ) فبكي زيدان إبراهيم .. !!!

كما أسلفت في مرات عديده .. في طفولتنا ونحن في الابتدائية كنا نقضي إجازة المدرسة في مدينة عطبرة مع حبوبتي لأمي خديجة والتي تنطقها عن قصد واصرار ( اتبرا ) كما يحلو لها ومعظم سكان مدينة الحديد والنار في ذلك الزمان الجميل عليهن رحمة الله .. حبوبتي خديجة تسكن بجوار سينما الجمهورية البيت الذي يقع خلف دار الفنون الشعبية علي شارع كسلا وفي الواجهة بيت حبوبتي ( نعيمة ) وعشنا في البيتين ذكريات لا تنسي .. كنا نستمتع ونشعر بسعادة لا توصف في اتبرا ولا يكدر أجازتنا شيء سوي إن حبوبتي تلحقنا شخصي الضعيف وشقيقي عصام وشقيقي الراحل علاء الدين ومعنا أبن خالتنا صلاح قسم الله بخلوة الشيخ عبدالحميد في حي أمبكول لحفظ القرآن والذي اعتقد كانت جذورة تعود لصعيد مصر .. كان الشيخ عبدالحميد يحضر للخلوة بدراجته الرالي الهوائية ممسكاً القدون بكلتا يديه وفي يده اليمني ( البسطونه ) ومربوطاً علي الماسورة التي بين قدمية ( خرتايه ) خضراء يضع فيها اغراضة للبيت من خضروات وعيش وخلافة .. كنا نحضر للخوة في الصباح الباكر بعد أن نشرب الشاي باللبن مع الزلابية والتي كنا نشتريها من خالة ( الصبر ) وهي أحدي زوجات علي دينار هكذا قالت لنا أمي خديجة والله اعلم وبيتها علي شارع كسلا يفتح علي مطعم الأندلس الملاصق لسينما الجمهورية وبعد الشاي نغادر البيت للخلوة رغماً عن أنوفنا مجبورين مصرصرين وجوهنا تحت تهديد حبوبتنا نعيمة عليها رحمة الله ..

المطعم الملاصق لسينما الجمهورية اسمه ( الاندلس ) ومشهور بالفول ودائماً ما نتعشي فيه واشقائي ونشعر أننا مهمين عندما نجلس أربعتنا حول الطربيزة الحديد والتي عليها الملاحة فيها الشطة والملح يوجد صينيه صغيرة عليها جك الألمونيوم وفيه الماء والكيزان ويحضر لنا الجرسون صحن الفول بالشمار والعيش الحار وعلي أنغام وأغاني تبثها سينما الجمهورية نتاول تلك الوجبة الدسمة .

أذكر سينما الجمهورية قبل العرض تبث الأغاني وكنت واشقائي بعد عشائنا في الاندلس نذهب ونقف علي واجهة السينما ونستمع لتلك الأغاني وكانت اغنية الفنان حمد الريح ( إلي مسافرة ) كلمات الشاعر عثمان خالد ثابته يومياً فكنا نحضر خصيصاً لسماعها حتي حفظناها عن ظهر قلب وأصبحنا نرددها ونحن في طريقنا لخلوة عبدالحميد :
يا قلبي يا مقتول كمد

اعصر دموع هات غنوة لسيد البلد يا حليلو يا حليلو

حليلو قال سايب البلد حليلو كيفن يبتعد يا حليلو

كيفن نسيبو يروح بعيد يا حليلو

كيفن نسيبو يفوت بعيد

في رحلة مجهولة الأمد يا حليلو

كل العمر كان لحظة واحدة نشوفو والشوق يتقد

نسكر نغيب آآآآآه نغيب

من لطفو من دله الحبيب

من لطفو من دله الحبيب من لونه من كرز المغيب

الرامي محلو الثمر

في شفايفو زي ياقوت ندر

في شكلو زي نص القمر مبتل مثير

مخلوق عشان احلى الثغور

واشواقنا تتعطر تطير من نفحة من مجرى العبير

من لفتة من جيدو من لفظة من ثغرو المثير

الفيهو ريان الثمر وبيهو القلوب كم تأتمر

لو مرة سيد الناس أمر بنظرة بدوب حجر

ببسمة بتطول عمر يا حليلو يا حليلو

حليلو قال ناوي السفر كيف الوداع لامن يحين وقت السفر

اهديك زهور حاشاي وانت ندى الزهر

اهديك حروف آآآآآآآه حروف يا اجمل احرف في الدهر

اهديك حنان آآآآآآآه حنان

اهديك حنان ماقلبي عندك من زمااااااان

ما قلبي عندك من زمان وانا راجي عطفك منتظر

اهديك حروف ما قالا زول وما اظن يقولا وراي بشر (ان شاءالله)

بهديك عيوني … عشان استريح … الدنيا بعد ما بتسر يا حليلو يا حليلو

لازال ذلك المشهد لا يفارق خيالي اطلاقاً وأغنية ( إلي مسافره ) تلامس إنسان عطبرة حيث السفر والقطارات والإستقبال والوداع للمسافرين والناس كانوا حنان شديد ..

في بيت زيدان إبراهيم بالعباسية التقيت بالكثيرين من أبناء توتي وخاصةتعرفت في غربتي بصديق زيدان الوفئ سرحان احمد وأشقائه وكذلك علاقتي بلاعب توتي الموهوب ( أبو الجاز ) الذي كنا نلتقي في دار الرياضة أمدرمان أيام كنت لاعباً بنادي الربيع الامدرماني إضافة لعلاقتي القوية والحميمة مع الراحل ( إبراهيم قديس ) وأسرته الكريمة في توتي وبيت المال رغم كل ذلك لم اتعرف علي الفنان حمد الريح عن قرب بل كنت اشاهدة في نادي الفنانين واسلم عليه بحضور صديقي زيدان إبراهيم .

أول مره في حياتي أسمع أغنية ( الساقية ) حضر لي في بيتنا صديقي الراحل الشهيد نقيب طيار مصطفي عوض خوجلي ومعه مدربنا الكابتن عبدالعزيز كمير وقال لي مصطفي قوم عاملين فطور مدنكل في بيت عبدالعزيز الكوتش وما في زول في بيتهم اهله مشوا امدرمان الموردة .. وذهبت معهم وشغلوا المسجل وكانت أغنية الساقية وكان مصطفي عليه رحمة الله يعيد لي المقطع الموسيقي ويقول لي ( رأس نميري مطلب شعبي ) وجد تعجبت الموسيقي تدل علي ذلك .. وبعدها بأيام ووقتها كنت طالب بالصف الأول الثانوي بمدرسة بيت الأمانة الثانوية وكانت بصات شركة مديرية الخرطوم تقف امام زنك السمك وكان علي صف بنك النيلين محل مشهور يبيع الليمون في مواجهة موقف تكاسي الطرحة التي تذهب إلي ام درمان عن طريق الأربعين أو الموردة .. وكان يضع سماعات ضخمة صوتها يصل حتي بداية زنك الخضار ويشغل أغنية ( الساقية ) علي مدار الساعة ويعيدها وكان المحل مكتظاً بالزبائن لسماع تلك الأغنية وكنت اشرب الليمون عشان استمع للساقية يا لها من أيام ..

وشاءت الإقدار وسافرت إلي المملكة العربية السعودية بتأشيرة زيارة وسكنت في حي الجامعة مع الخال العزيز حسن كندورة الذي كان يعمل في جريدة المدينة وأمضيت عاماً كاملاً بلا إقامة وفي شهر رمضان كنت برفقة صديقي كمال في سوق الجامعة فقابلنا ( أبوالجاز ) وتسالمنا بالاحضان وتذكرنا أيام دار الرياضة بأمدرمان وسألني أين أعمل وأين أسكن فقلت له حزيناً أنا ما عندي إقامة وساكن في الجامعة فقال لي الحمد لله قابلتك ولا يهمك في تأشيرات عمل عند الأستاذ علي الريح شقيق الفنان حمد الريح وبرضو ساكن الجامعة أركبوا يلا نقابله وشيل انت وصديقتك تأشيرات وفعلا ذهبنا معه وطرق الباب وادخلنا وكانت دهشتي عندما شاهدت الراحل عليه رحمة الله الأستاذ علي الريح اعتقدت انه حمد الريح من شده الشبه الذي لا يوصف علي الاطلاق وقويت علاقتي به وكان يزودني بتسجيلات وحفلات الفنان الأستاذ حمد الريح فكانت اغانية تلامس الوجدان :

كنا قبلك يا حليوة
في دروب ما فيها الفة
لا الصباح زاور دروبنا
لا قليبنا لقالو مرفأ
و لما حن الليل علينا
لعينيك جابتنا صدفة
ما غريبة علينا شوفتك
زي زمان بيناتنا عرفة
الظروف يا حلوة دايما
لعيون حلوة بتجيبنا
يا رضت يي شوقنا ليها
ولا صبح الهم حبيبنا
الزمن تاريهو برضو
بي قساوتو استمر
الزمن

ومضت الأيام والسنين وعملت بالرياض لمدة سنتين وعندما عدت إلي مدينة جدة عرفت أن الأستاذ علي الريح قد عاد إلي السودان نهائياً .. اذكر كنت أجلس يوم الخميس في البيت لوحدي وقتها لم اكن متزوجاً فحضر لي صديقي عوض عمر والذي اطلقت عليه لقب ( أبوكلام ) وهو من أبناء مدينة أم روابة الأنقياء .. وقال لي كعادته مكايداً لهذا اللقب قوم البس ( يا ابوكلام ) وتهندم أنا عازمك حفلة معتبرة في صالة بجوار البنك الإسلامي للتنمية وقطعت لك معي تذكرة بمائة ريال عشان تفرفش وتغير نفسيات لحضور حفل الفنان ( حمد الريح ) والله نسيت اسم تلك الصالة الكبر حصل ، وتحت الحاحه تهندمت وذهبت معه وجلسنا في القاعة كانت مرتبة وحضرت جموع كبيرة من السودانيين وأسرهم في أبهي مظهر وكان حفلاً مرتباً جميلاً وحضر الفنان حمد الريح في كامل أناقته وبدأ الحفل وتغني بروائع أغنياته ولكني كنت انتظر أغنية معينة لم يغنيها فذهبت الي الاستقبال وطلبت منه ورقة صغيرة ( قصاصة ) فكتبت للفنان حمد الريح .. ( الفنان الراقي الأستاذ حمد الريح طاب مساءك .. التمس منكم تقديم أغنية ” شقي الأيام ” ولك كل الود والتقدير ) .. وذهبت له في المسرح وهو يغني وبشرت عليه وسلمته القصاصة وأثناء غنائه فتحها وبعد أن قرأها وضعها في جيب البدلة .. فقلت في نفسي ( تم الحفظ ) .. عدت إلي مقعدي ولازال يغني وجلست بجوار عوض عمر الذي سألني الورقة دي فيها شنو يا عمدة فقلت له طلبت منه أن يغني أغنية شقي الأيام فضحك وقال لي ضاحكاً شكلك كل أغاني زيدان إبراهيم ما طفت نيران شاكوشك ده ؟؟؟ وضحكنا وقال لي ما اظن يغنيها ليك الأستاذ مسلطن ومزاجه عالي والناس في الحفل فرايحيه .. وما أن أنتهي حمد الريح من الأغنية حتي تحدث مع الأوركسترا وبعدها بدأت موسيقي ( شقي الأيام ) وهي من كلمات عبد الرحمن مكاوي ومن ألحان يوسف السماني :

شقى الايام
شال هم فرقتك قلبي
معاك ياريتو كااااان يرحل
وانا الخايف من الاقدار
اتوه في دروبا ماااا اوصل
و جنبك
ومشتهيك ياعيون
وكيف لما الفراق يحصل
ان شاء الله ماااااا يحصل
وكيف كيف …كيف كيف
لما الفراااااق يحصل
ان شاءالله ماااااااا يحصل
بريدك ياشقا الايام
كان بيك الحبيب يسعد واسهر نجمي عز الليل
بعد روح صباحك جد
وابكي معاي عيون احباب
عشان اسف الدموع يشهد
ماكان الفراق منيه
ولافرقة عيونك وعد
وكيف كيف …كيف كيف
لما الفراااااق يحصل
ان شاءالله ماااااااا يحصل
مجبور قلبي يتعلم
بعد ولف عليك يقسى
عشان لو لحظه تنساك
عيون ماتعلمت تنسى
انا الفارقت مرساك
قبل اشواقي ماترسى
واصابح بكره كيف العيد
وعايش فرقتك هسى
معقول قلبي بس يقسى
وعايش فرقتك هسى
وكيف كيف …كيف كيف
لما الفراااااق يحصل
ان شاءالله ماااااااا يحصل

في لقاء تلفزيوني قبل سنوات حضرته سجلت للفنان حمد الريح وهو يغني بالعود أغنية الفنان عثمان الشفيع ( ملامه ) حقيقة كان تسجيل خرافي وهذا التسجيل أسمعته لصديقي زيدان إبراهيم فبكي وهذا التسجيل أصرت واخذته مني الأخت الصديقة الغالية أماني سليمان أتمني تكون محتفظه به فهو آداء خرافي والفنان حمد الريح مبدع في أغنيات الغير فتغني لعبدالدافع عثمان في أغنية مرت الأيام وغيرها وكان رائعاً ..

“اللهم اغفر له و ارحمه و اعف عنه و اكرم منزله”. “ اللهم أبدله داراً خيراً من داره و أهلاً خيراً من أهله و ذرية خيراً من ذريته و زوجاً خيراً من زوجه ”. “ اللهم انقله من ضيق اللحود ومن مراتع الدود الى جناتك جنات الخلود”. “ لا إله إلا أنت يا حنان يا منان يا بديع السموات والأرض تغمد عبدك ( حمد الريح ) برحمتك يا أرحم الراحمين

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

إغلاق