احتماعي

نهاية قصة (إبرة) داخل جسد (امرأة) بعد أربعين عاماً من المعاناة

الخوف دفع (فاطمة) لابتلاع (إبرة) داخل الفصل الدراسي

بعد أربعين عاماً من المعاناة
نهاية قصة (إبرة) داخل جسد (امرأة)
الخوف دفع (فاطمة) لابتلاع (إبرة) داخل الفصل الدراسي
إصرار المريضة بوجودها دفع الطبيب لإجراء الجراحة
وفاة زوجها وحادث ابن أخيها يتسببان في إنهاء معاناتها
الطبيب المعالج: العناية الإلهية أنقذت الحاجة فاطمة
المشاهير : منال حسين
الحاجة فاطمة عبدون إدريس، من مواطني (موركة) من منطقة المحس بالولاية الشمالية درست في مدرسة (صاي) الابتدائية.. قبل أربعين عاماً وفي حصة الحياكة والتطريز .. حيث كانت تضع إبرة في فمها وهي متخوفة من الأستاذة التي ستأتي بين الحين والآخر لأداء الحصة خاصة وقد عرف عليها الحزم والصرامة في تعاملها مع تلميذاتها، تقول الحاجة فاطمة (عندما أخبروني التلميذات أن الأستاذة قادمة.. من شدة خوفي منها قفزت من على المقعد ولم أشعر بنفسي وأنا أبتلع الإبرة، حينها رغم أنني علمت تمام العلم أنني قد ابتلعت الإبرة إلا أنني لم أشعر بأي ألم وهي داخل أحشائي) .. وقد تواصلت معاناة الحاجة فاطمة مع الإبرة المذكورة حوالى أربعين عاماً، فكيف كانت بقية القصة؟ وما هو رأي الأطباء حول الحادثة المذكورة؟ ولماذا لم يتم تشخيص الحالة إلا بعد الجراحة؟ كل هذه التساؤلات وغيرها سنحاول الإجابة عنها عبر هذه المساحة التالية:
بعد عام
بعد عام من ابتلاع الحاجة فاطمة للإبرة.. أصبحت تشعر بألم في الجانب الأيمن من جسدها فأحضرتها والدتها للخرطوم لإجراء فحوصات فأجريت لها عملية جراحية.. حيث أخبرها الأطباء بعدم وجود أي أثر للإبرة ومعللين الألم الذي يصيبها لأسباب تشخيصية أخرى.. وفي العام 1980م تزوجت الحاجة فاطمة لتنجب أبنائها.
ضارة نافعة
توفي زوج الحاجة فاطمة وكعادة السودانيين في أتراحهم أثناء فترة (الحبس) بعدم الاستلقاء على السرير واستقبال الزوار وهي جالسة وحينها ازدادت الأعراض السابقة عليها وبدأت تشعر بطعنة وألم في بطنها ووجع في جنبيها وصداع مزمن لا يفارقها.. كما فقدت القدرة على الأكل طوال اليوم.. وعندما كانت تذهب الحاجة فاطمة للطبيب لم يكن هنالك أي تشخيص لحالتها سوى بعض المسكنات للألم فلم يفلح الأطباء في معرفة أسباب الحالة التي تشعر بها.. بعدها بشهور أصيب ابن الأخ للحاجة فاطمة بحادث مروري في دنقلا بالولاية الشمالية فاضطرت للذهاب إلى هناك لتفقد حالته الصحية.. وهناك ازداد عليها المرض فذهبت لمستشفى دنقلا وهنالك قابلت الطبيب مستر موسى عبد الله اختصاصي جراحة وطلب منها إجراء صورة أشعة تبين منها الإبرة القديمة.. فتم تحويلها إلى الخرطوم حيث قابلت الدكتور محمد الخير عبد الهادي اختصاصي الجراحة الذي طلب منها إجراء منظار فلم تظهر الإبرة المذكورة.
مستشفى دنقلا
أصرت الحاجة فاطمة أن الألم الذي ينتابها من جراء الإبرة وهذا الأمر أكدته صورة الأشعة في دنقلا لذلك طلبت من الدكتور الجراح سرعة إجراء العملية بدون اللجوء مرة أخرى إلى المنظار تقول الحاجة فاطمة (كنت واثقة أن الألم الذي ينتابني من الإبرة التي أبتلعتها في حصة الحياكة والتطريز منذ أربعين عاماً).. ولولا الساعات الطوال التي كنت أجلسها بمنزلي أثناء فترة العُدة لما زادت أعراضي.. الفضل يرجع لمستشفى دنقلا في تأكيد شكوكي بوجود إبرة داخل أحشائي.. وعندما حضرت للخرطوم أجرى الدكتور المختص المزيد من الفحوصات بالمنظار الذي لم يكشف مكان الإبرة) .
كان إصرار الحاجة فاطمة على إجراء عملية جراحية لإنهاء معاناتها.. وقد استجاب الطبيب المختص لطلب الحاجة فاطمة وقام بفتح البطن وفعلاً تم العثور على الإبرة المذكورة وانتهت معاناة الحاجة فاطمة مع المرض ولم يصدق كل من وقف على معاناة الحاجة فاطمة التي طالت كل تلك السنين.. فما هو رأي الطبيب المعالج حول قصة الحاجة فاطمة؟ وكيف أجرى العملية المذكورة هذا ما سنعرفه خلال السطور التالية..
غير طبيعي
يقول استشاري الجراحة الدكتور محمد الخير عبد الهادي حضرت الحاجة فاطمة الي العيادة تشكو من ألم في البطن لفترة طويلة .. وقالت انها تذكر ابتلاعها لإبره منذ اربعين عاما .. وعندما سمعت قصتها وجدت فيها نوع من الريبة ولم أصدقها .. فلماذا لم يلفظ الجسم الإبرة طيلة هذه الفتره. فعادة الشخص لا يرى خروجها فهي تخرج من الجسم بشكل متغير ولونها يكون اسود .. فهي تخرج بغير صورتها الطبيعية فيظن الشخص ان الابرة لا تزال موجودة داخل احشائه خاصة مع وجود الألم المستمر .. ولكن من الناحية النفسية فان اي اعراض تشعر بها الحاجة فاطمة ستعزيها للابرة التي بلعتها قبل اربعين عاما ونحن في عالم الطب نجزم ان هذه الابرة ستكون خلال كل هذه السنوات قد خرجت فعليا من جسدها ..هذه هي الاسباب التي جعلتنا نشك في روايتها التي لم تؤكدها المناظير الطبية .
صورة الاشعة
سألنا الدكتور محمد الخير ما هو الأمر الذي دفعك الي اجراء العملية الجراحية ؟ قال: ( أن صورة الأشعة التي تم احضارها من مستشفى دنقلا والتي تؤكد وجود جسم غريب.. فتمّت إعادة لصورة الأشعة في الخرطوم وظهرت الإبرة في المصران الغليظ “في الجزء النازل من المصران” وفي هذه الحالة لا نلجأ للعملية الجراحية وتعريض المريضة لمخاطر العملية الجراحية خاصة وأن المريضة قد تجاوزت الستين عاماً.. لذا فضلنا اللجوء لعملية منظار .. ولكن اختصاصي المناظير فشل في إجاد الإبرة.. ومع ألم الحاجة فاطمة المستمر ومعاناتها لجأنا إلى إجراء العملية الجراحية.
في غرفة العمليات
ويواصل الدكتور محمد الخير تحليله للحدث الغريب الذي تعرضت له الحاجة فاطمة بقوله: (كنا نعلم أن الحاجة فاطمة لجأت للجراحة سابقاً في رحلة البحث عن الإبرة المذكورة.. وعلى الرغم من أنني قمت بفتح الموضع الأول، إلا أنني فضلت أن أفتح جرحا أطول من الجرح السابق حتى يتسنى لي البحث في أكثر من موضع.. بحثنا عنها في المصران فلم نجدها.. فاستعنا بجهاز أشعة متحرك داخل العملية يستخدم في جراحة العظام لتثبيت الكسور .. والغريب أن الإبرة ظهرت عبر هذا الجهاز ولكن عندما نعود للبحث عنها داخل المصران لا نجدها.. لذا بحثنا عنها حول المصران فوجدنا أن الإبرة قد أحدثت ثقباً حوالى المصران وأصبحت خارجه في البطن في الكيس البروتوني.. ووجدناها قد تغيرت بمرور الزمن وبها صدأ يميل لونه للأسود وأصبحت (معوجة).
الأعراض الخطيرة
ولكن وجود جسم غريب داخل أحشاء الحاجة فاطمة طوال هذا الوقت لماذا لم يسبب لها أعراضا خطيرة؟ يواصل الدكتور محمد الخير حديثه قائلاً: ثقب الإبرة للمصران عادة ما يحدث التهاباً يؤدي إلى التسمم ومشكلات عدة.. فعندما يفتح المصران تنسكب محتوياته داخل البطن.. وهذا حظ وعناية الإلهية بالنسبة للحاجة فاطمة.. الغشاء البروتوني الذي كونته الإبرة يسمى عسكر البطن أو شرطي البطن الذي يحمي الجسم من الالتهاب الذي سببته الإبرة.. فعندما حدث الثقب تجمع الكيس ودخلت الإبرة في داخله.. أن الثقب الذي حدث وبالعناية الإلهية وبوجود الغشاء البروتوني قفلت الفتحه ولكن أعراض الالتهاب ظلت باقية نسبة لتجمع الغشاء والتصاق الكيس البروتوني بمنطقة الفتحة والتصاقه في جدار البطن الخارجي فكان يسبب لها الماً متواصلا؛ً لأن المصران كان مشدوداً بالبطن في المنطقة الموجوده بها الإبرة.. وبعد العملية رجع الغشاء البروتوني والمصران لوضعهما الطبيعي وزال الألم الذي كانت تشعر به..
شرنقة الحشرات
لماذ لم تظهر الإبرة بالمنظار وظهرت بالأشعة؟
يقول الدكتور محمد الخير بصراحه في الأول لم أعرف السبب ولكن بعد العملية اتضح أن الإبرة خارج المصران، المنظار الذي قمنا باستخدامه هو المنظار التشخيصي الذي يدخل من فتحة المستقيم ويستمر حتى المصران لذا لم تظهر ولكن السبب الرئيسي هو أن الإبرة تغطت بكيس فالجسم دوماً يغطي الأجسام الغريبة بكيس ويحفظها مثل شرنقة الحشرات حتى لا تؤثر على الجسم وهذا نوع من حماية الجسم لنفسه.. وهذا هو السبب من عدم ظهورها في العملية الأولى.. أيضاً هنالك سببان آخران لعدم ظهور الإبرة في العملية الأولى وهما صغر فتحة البطن للعملية الجراحية وعدم تطور الأجهزة الطبية في ذلك الوقت.
التدخل الجراحي
لماذا لم يأخذ الأطباء شكوى الحاجة فاطمة المتواصلة عن معاناتها لوجود جسم غريب في جسدها فهل نعاني مشكلة تشخيص في السودان؟ يقول الدكتور محمد الخير الإبرة أن كانت موجودة كان لا بد لها أن تحدث شيئاً خطيراً مثل التهاب أو انتفاخ في البطن أو ثقب في المصران وتكون هنالك مشكلة تحتاج للتدخل الجراحي السريع ولم يحدث هذا.. وإن كانت الإبرة موجودة في الداخل ولم تحدث لها هذه المشكلات فليس من الداعي فتح البطن وأحياناً بعض الأطباء الجدد وذوي الخبرة البسيطة لا يهتمون بشكوى المريض فلا بد للطبيب الجلوس مع المريض فترة طويلة حتى يعرف جميع شكواه.. وأحياناً يتكلم المريض لنصف ساعة ليس لها معنى بالنسبة للمريض ولكن كلمة واحدة منها يمكن ان تكون مفتاح التشخيص.. أنا أجلس مع المريض ربما لنصف ساعة حتى يتضايق المرضى الموجودين في الخارج ونحن لدينا عادة سيئة فقد يسمع المريض من جيرانه أو أصدقائه بأعراض التهاب المرارة ويقول لديه حصوة في المرارة ويريد من الطبيب أن يقول له ذلك ويذهب للطبيب لمنطقة بعيدة عن الألم.. ويذهب الطبيب لمنحى آخر فلا يجد شيئاً.. ليعيد الفحوصات من جديد.. أو أن يصر المريض على وجود ملاريا مثلاً وعندما تخبره بعدم إصابته بها يصيبه الحزن الشديد.. وهذا يعني أن نذهب للبحث عن المرض في مكان آخر.
خطأ في التشخيص
وما هي أسباب عدم التشخيص الصحيح من وجهة نظركم؟
يقول دكتور محمد الخير ، عدد الأطباء قليل مقارنة مع المرضى لذا لا بد من السعي لإيجاد حلول بهذا الخصوص.. الطبيب يصبح مضغوطاً ويقود ذلك؛ لأن يخطئ في أي عمل أكثر من ثماني ساعات لا يمكن للشخص أن يبدع فيه ويمكن أن يجهد الشخص ذهنياً، فما بالك أن الطبيب يعمل 12 ساعة يفحص المرضى ويجري عمليات ويدخل الحوادث ويربط الغيار.. فبعد ست ساعات يكون الطبيب مجهداً (ورأسه فاضي) فتكثر الأخطاء بالإضافة لعدم سماع كلام المريض (الدقاق) قد يقود لمثل هذه الأخطاء، ويضيف الدكتور محمد الخير أيضاً هنالك بعض الأطباء يتخوفون من إجراء مثل هذه العمليات الجراحية فربما تكون حياة المريض ثمناً لمثل هذه الخطوات كما هو الحال في حالة المريضة فاطمة.

اظهر المزيد
إغلاق