زهير السراج

تجارة وزير التجارة!

مناظير – زهير السراج
*أصدر وزير التجارة والصناعة القرار رقم 20 لعام 2019 القاضي بمنع غير السودانيين الحاملين للجنسية السودانية بالميلاد من ممارسة النشاط التجاري في مجال الاستيراد والتصدير إلا بموجب قانون الاستثمار واتفاقيات حكومية خاصة، بالإضافة الى منعهم من (التواجد في الأسواق المحلية وممارسة عمليات البيع والشراء سواء مباشرة أو عن طريق وسيط محلي)، ومعاقبة كل من يخالف هذا القرار!

*أولا، الصياغة ركيكة تجعل من الصعوبة فهم القرار وما يهدف إليه، فما هو المقصود بمنع (التواجد في الأسواق المحلية).. هل هو عدم دخول الأسواق، أم عدم العمل بالأسواق أم ماذا، .. وهل المقصود بـ(ممارسة عمليات البيع والشراء) التجارة أم التسوق، فكلاهما عملية بيع وشراء،.. وما المقصود بـ(الأسواق المحلية)، هل هي الأسواق العامة فقط أم أنها تشمل البقالات والمطاعم ..إلخ في الأماكن السكنية والشوارع الرئيسية إلخ .. وما المقصود بـ(الوسيط المحلي)، هل هو (المرسال أو المراسلة) او الوكيل التجاري أم ماذا ؟!

*القرارات الرسمية ليست مواضيع إنشاء أو خطابات غرامية تكتب بأي شكل، وإنما تكتب بلغة خاصة ودقيقة حتى لا يلتبس فهمها أو تأويلها فتصبح مكاناً للجدل في المحاكم والمنتديات. إذا كان هذا هو حال الذين يصيغون القرارات الرسمية في وزارة التجارة والصناعة، فعليه ان يبحث عن آخرين يصيغون القرارات الرسمية، أما إذا صاغ القرار بنفسه فأنصحه بألا يكرر التجربة مرة أخرى!

*ثانياً، القرار غير دستوري لأنه يحرم بعض المواطنين الذين يحملون الجنسية السودانية من ممارسة حقوقهم الدستورية ويميز بينهم وبين بقية المواطنين، ويمكن لأي واحد منهم أن يطعن في القرار ويحصل على حكم لصالحه، ولا أدري كيف يجهل وزير وشخص له تاريخ حقوقي طويل مثل الاخ (مدني عباس مدني) هذه البديهية التي لا تفوت على أي مواطن عادي، دعك من مسؤول رفيع أو الذين يستشيرهم او يشيرون عليه من كبار موظفي وزارته أو غيرهم!

*ثالثاً، كيف تستطيع السلطات وضع قرار الوزير موضع التنفيذ بفرز السودانيين بالميلاد من السودانيين بالتجنس في الأسواق، هل ستشن حملة تفتيش على الجنسيات وبطاقات الرقم الوطني أم ماذا، وما هو المغزى من منع مواطنين سودانيين من ممارسة عمليات البيع والشراء .. بل كيف تمنع السلطات التنفيذية الأجانب من دخول الأسواق أو(التواجد بها) حسب نص القرار، هل ستضع حواجز تفتيش قبل الدخول إليها مثل الحواجز الموضوعة على أبواب معسكرات الجيش، أم تصدر تحذيراً للأجانب والمواطنين بالتجنس بمغادرة الاسواق وإلا ستهجم عليهم وترغمهم على الخروج بالقوة؟!

*رابعاً، كيف يصدر قراراً بهذا الحجم يتعلق بأعمال تجارية لها ارتباطات وتشعبات وتعقيدات كثيرة، ويفرض تنفيذه في نفس لحظة صدوره، إلا إذا كانت التجارة ، كما يفهمها وزير التجارة أو من أشاروا إليه بهذا القرار الغريب، مجرد بالونة معلقة في الهواء يمكن فرقعتها او تنفيسها والتخلص منها في أية لحظة، والى متى نظل نتعامل بهذه العشوائية والسبهللية التي نصدر بها القرارات ونرغم الناس على الامتثال إليها فور صدورها بدون أن نمنحهم الفرصة الكافية لتوفيق أوضاعهم، أو حتى فهمها!

*خامساً وأخيراً، فإن القرار ينقل رسالة خاطئة للمستثمرين والمواطنين الأجانب، بعدائية الدولة السودانية الجديدة تجاههم وما يقومون به، في وقت نحن احوج ما نكون فيه لاستقطاب أي عون خارجي بأي شكل من الأشكال، وليس وضع العقبات أمام من يريدون الاستثمار والعمل في السودان، وإذا كان لا بد من تصحيح بعض الممارسات الخاطئة، فليست هذه هي الوسيلة الصحيحة، إلا إذا كان الوزير يسعى للحصول على التأييد و(اللايكات) في مواقع التواصل الاجتماعي من (الهتيفة) الذين يهتفون ويصفقون لأي قرار يصدر من الحكومة أو أحد وزرائها، بدون أن يفهموه ويتفحصوه، أو حتى يقرأوه!

مقالات ذات صلة

إغلاق