اعمدة الرأي

للعطر افتتضاح – د. مزمل أبوالقاسم – (إهمال وتفريط)

 ست إصابات مؤكدة، نتجت عنها وفاتان، و(85) حالة اشتباه، تلك هي الأرقام الرسمية التي نشرتها وزارة الصحة، لترد بها على المستهترين الذين يرددون عبارات (ما عندنا كورونا.. الكورونا ما بتجينا.. ما شفنا لينا زول بفرفر في الشارع).

 العبارة الأخيرة رددها حسن برقو، رئيس لجنة المنتخبات الوطنية في اتحاد الكرة، عبر واحدة أكثر الفضائيات السودانية انتشاراً ومتابعةً (النيل الأزرق)، ليواصل بها فوضويته وسلوكه غير المسئول، وقد بدأه بالإصرار على تجاهل الموجهات الصحية وازدراء قرارات مجلس الأمن والدفاع باستمرار معسكر المنتخب الوطني، بعد أن استضاف لاعباً قادماً من إيطاليا، من دون إخضاعه إلى الفحص أو العزل.

دخل ملف الجائحة عندنا مرحلة الجد، وارتفعت مؤشرات الخطر، بإحصائيات رسمية، أقرت عبرها الوزارة أنها (تابعت) 1420 فرداً من مجمل 2215 شخصاً قدموا من (دول موبوءة) بالفايروس.

 ينطبق على ذلك التصريح قول البُحتري (إذا ما الجُرح رُمّ على فسادٍ تبيَّن فيه تفريط الطبيب).

* التفريط هنا لا يلي الأطباء والكوادر الصحية المُساعدة.. لا والله، حاشاهم ما قصروا، بل يتصل بوزارة الصحة نفسها، لأنها مارست أسوأ أنواع الإهمال والتفريط والابتعاد عن المهنية والاحترافية في التعامل مع الوباء، وتركت أكثر من ألفين ومائتي شخص قدموا من دول موبوءة يسرحون ويمرحون ويخالطون الناس بلا فحصِ ولا حجرٍ صحي، واكتفت بمتابعة ثلثيهم من على البعد.

* ما فائدة المتابعة، إذا اتضح أن فيهم مصابون بالفايروس، خالطوا أهلهم، ونقلوا العدوى إليهم؟

* لا يوجد في بروتكولات التعامل مع كورونا شيء اسمه (متابعة).

* القادمون من منطاق الوباء يجب أن يخضعوا إلى الحجر بكاملهم، وقد أقر وزير الصحة بمسئوليته عن التقصير الذي صاحب عدم عزل مخالطي الضحية الأولى، وكان العشم أن يتخذ من ذلك التفريط عظةً وعبرةً له ولغيره، كي يمنع تكراره، لكن التفريط زاد، ليصل درجة الإهمال والاستهتار بحياة الناس.

* القادمون من مصر، ممن نُقلوا إلى المدينة الاجتماعية لم يجدوا فيها أسرَّة ولا مراتب ولا ماء ولا طعام، فاضطروا إلى مغادرتها في الليلة نفسها قبل فحصهم، برضا الوزارة وبحضور وكيلتها.

* تكرر الأمر نفسه بتفريط مماثل في التعامل مع من تم الحجر عليهم في مستشفى (يونيفرسال)، ولم يجدوا فيه العناية اللازمة، فاقتحموا البوابات وارتقوا سلالم جسر كوبر وذهبوا إلى حال سبيلهم.

* حدث الأمر للمرة الثالثة مع ركاب الطائرات التي وصلت مؤخراً وتم فتح مطار الخرطوم خصيصاً لاستقبالها، حيث ذهب كل من أتوا بها إلى ذويهم، من دون فحص ولا حجر ولا عزل.

* تبيَّن لاحقاً أن أحدهم مصاب بالكورونا (الحالة الخامسة)، وفيها تضخم التفريط وتضاعف الإهمال، لأن المريض فعل ما عليه، وتطوع بإخطار طاقم الوزارة بأنه ليس على ما يرام، وبدلاً من إخضاعه إلى الفحص والعزل اكتفوا بقياس درجة حرارته، ثم تركوه يذهب إلى حال سبيله، ليختلط باصدقائه وأهله الذين احتفوا بوصوله، وأقاموا مأدبةً على شرفه، حضرها مئات الأشخاص!

* من خالطوا المصاب موجودون في دورهم ويمارسون حياتهم كالمعتاد حتى لحظة كتابة هذه السطور.

* لو استمر تعامل وزارة الصحة بالإهمال ذاته، واتصل تواكلها وتفريطها وابتعادها عن الاحترافية في تعاطيها مع الوباء فسيتشري ليبلغ عدد ضحاياه عشرات الآلاف.

* حينها ستقف هي مكتوفة الأيادي، لأنها لا تمتلك الحد الأدنى من المقومات اللازمة لعلاج المصابين ومنع تفشي الوباء.

* الوزارة التي تحض الناس على اتباع الإرشادات الصحية تحتاج إلى من يرشدها ويقرعها، ويحاسبها على إهمالها الكبير، وتفريطها القبيح.

* الإشراقة الوحيدة التي صاحبت زمن الكورونا أتتنا من شباب لجان المقاومة، الذين نفذوا عملاً مسئولاً بتوعيتهم للناس، وتوزيعهم للكمامات والمعقمات والمنظفات بالمجان، لهم منا تحية تليق بسعيهم المشكور ومقامهم العالي.

مقالات ذات صلة

إغلاق