اعمدة الرأي

للعطر افتضاح – د. مزمل أبوالقاسم – فرطنا في النِعمة!

* يُحسب لوسائل الإعلام أنها واكبت مقتضيات الجائحة، وقرعت ناقوسها بقوة، وسعت إلى توعية الناس بمخاطرها، وانتقدت التفريط الذي حدث بفتح المطار لاستقبال أكثر من ألفي مسافر، قدموا من دول موبوءة، ولم يتم إخضاعهم إلى الفحص ولا الحجر الصحي.
* تكرر الأمر مع القادمين من مصر بالبر، حيث سُمح لهم بالدخول من دون فحص ولا حجر.
* وقتها طالبنا في هذه المساحة بزيادة أمد حظر التجوال إلى (18) ساعة، وذكرنا أن قصر الحظر على الليل لن يمنع العدوى، بسبب تفشي حالة الاستهتار بالمرض في بلادنا، وشيوع فكرة غبية، مفادها أن الفايروس لا يستطيع العيش في مناخنا الساخن.
* ذكرنا أن الزحام ظل على أشده في كل مكان، وأن الحظر النصفي سيقود إلى كارثة، سيما وأن المولى عز وجل غطى علينا، وأبقى نسب الإصابة في أدنى معدلاتها، من دون أن نبذل أي مجهود يذكر لمنع تفشي العدوى.
* طالبنا الحكومة بالحفاظ على تلك النعمة، وناشدنا الناس أن يحمدوا ربهم عليها، ويحفظوها بالتقيد التام بالموجهات الصحية (على ضعفها وعدم كفايتها)، وذكرناهم بضعف نظامنا الصحي، وسوء حال مستشفياتنا، فلم نر أدنى استجابة.
* كتبنا عن المآسي التي تحدث في دول عظمى تفوقنا في كل شيء، وعندما تصاعد عدد الإصابات تدريجياً طالبنا بإغلاق الخرطوم، وأطلقنا عليها لقب (أوهان السودان)، بعد أن انحصرت الإصابات فيها، وذكرنا أن تفشي الكورونا في بلادنا يعني أننا سنموت (موت الضان).
* نوهنا وقتها بما فعلته السلطات الصينية، عندما قفلت بؤرة المرض بالضبة والمفتاح، وحظرت التجوال فيها، وشرعت في تعقيمها، وتنظيف شوارعها ومنازلها، وغسلت حتى الشجر والحجر فيها.
* عندما اقتصرت إجراءات تقييد الحركة من وإلى العاصمة على حظر البصات السفرية طالبنا ولاة الولايات بأن يأخذوا حذرهم، ويبادروا بحفظ مواطنيهم من الخطر الموجود في العاصمة، فلم يستجيبوا.
* ظلت أسواق العاصمة مفتوحةً، وبقيت ساعات الحظر فيها على حالها، واستمرت ظاهرة الاستهتار بالمرض حتى فوجئنا بإعلان عشر حالات جديدة في يوم واحد.
* أمس دخلنا إلى حقل ألغام كورونا من الباب الواسع، وبكامل إرادتنا، لأننا لم نعرف قيمة النعمة التي أتتنا بلا مجهود، وفرطنا فيها بمنتهى الغفلة.
* العدد المعلن يمثل نتيجة طبيعية لأخطاء متراكمة، وتفريط قبيح، شاركت فيه السلطات الأمنية والصحية مع المواطنين أنفسهم.
* لو افترضنا أن كل واحدة من الحالات المكتشفة أمس خالطت عشرين شخصاً فقط فسيصبح لدينا مائتا مصاب محتمل، يحملون الفايروس وينشرونه في محيطهم من دون أن يدروا.
* قنابل موقوتة، تجول بيننا ولا نعرف عنها شيئاً.
* أمس اقتنعت السلطات بتطبيق حظر التجوال الكامل، لكن القرار أتى معجوناً بماء (المَهَلة) المسيطرة على ثقافة أهل السودان.
* قبل يومين سجلت أمريكا (بكل إمكاناتها المادية والصحية) أكثر من ألفي حالة وفاة بالفايروس التاجي في يومٍ واحد، والرقم يكشف قيمة اليوم، وعدد الخسائر التي قد تحدث خلاله في زمن الكورونا.
* الحظر الكامل في حالتنا صعب، لأن الملايين من مواطنينا فقراء يعملون بطريقة (رزق اليوم باليوم)، والبديل المعقول يتمثل في رفع عدد الساعات إلى 18، مع حظر التجمعات بصرامة، وتوظيف كامل مقدرات البلاد لدعم الشرائح الفقيرة.
* أتركوا للفقراء فسحة من الوقت لكسب الرزق، كي لا يقتلهم الجوع، واسمحوا لدكاكين الأحياء والبقالات والمخابز وبعض المطاعم بالعمل، فكل يومٍ يُهدر قبل رفع عدد ساعات الحظر ستكون له فاتورة باهظة، ندفعها على حساب الأحبة لاحقاً.. ألا قد بلغت؟

مقالات ذات صلة

إغلاق