اعمدة الرأي

للعطر افتضاح – د. مزمل أبو القاسم – الجنرال أكرم.. قبل الندم!

‏* انتقلنا من خانة الآحاد إلى خانات العشرات، بمتوالية خطيرة تدل كل المؤشرات إلى أنها في طريقها إلى أن تصبح (هندسية)، فماذا أعددنا لها، وما هي تحضيراتنا لمواجهتها؟

* الإجابة موجعة، وتشير إلى أن القادم سيكون مرعباً، في ظل الظروف القاسية التي يعمل فيها أفراد الجيش الأبيض، وهم يفتقرون إلى أبسط معينات الحماية قبل معدات العمل.

* ألقيناهم في يمِّ الجائحة مكتوفي الأيدي، ووضعناهم في مواجهة عدوى الفايروس التاجي بلا ذخيرة ولا سلاح.

* من زاروا مراكز الحجر والعزل والمعالجة أكدوا أن الكوادر الصحية لا تحظى حتى بالتغذية المناسبة، ناهيك عن شُح الأدوية، وتواضع مقتضيات الحماية من كمامات وأغطية للرؤوس والعيون وقفازات وأزياء تقي من خطر التقاط العدوى.

* معظم المستشفيات الخاصة مغلقة، بل ممنوعة من استقبال الحالات الباردة، وبعضها فقد طواقمه المدربة بالعزل عقب استقبالها لمصابين بالكورونا، والضغط على مركز جبرة يزداد بعد أن تزايدت عليه أعداد المصابين بدخول مرضى الولايات على الخط، ونخشى عليه من الانهيار، بعد أن أصيب العاملون فيه بالإنهاك البدني والنفسي.

* لا توجد أي تجهيزات نوعية تستهدف الاستعداد لمواجهة مرحلة انفجار العدوى، والأرقام المتصاعدة تؤكد أنها لا محالة قادمة، وحينها سترتفع أعداد المرضى من العشرات إلى المئات، وربما الآلاف، فأين سنضعهم، وكيف سنعالجهم؟

* وأي الكوادر الصحية ستتولى العناية بهم؟

* حينما تبدأ مرحلة الحرب (الفايروسية) وتزداد شراستها ويتفشى فتكها سيكون جيشنا الأبيض قد شارف على الانهيار، لأننا لم نوفر له أبسط معينات الحماية، ناهيك عن عوامل الصمود والإبداع.

* كتبنا في هذه المساحة قبل فترة مطالبين بإنشاء ثلاثة مستشفيات ميدانية بسعة ألف سرير لكل مستشفى في مدن العاصمة الثلاث، واقترحنا تشييدها في المدينة الرياضة بالخرطوم، وإستاد المريخ بأم درمان، وملعب التحرير في الخرطوم بحري، وطالبنا حكومات الولايات والقوات النظامية بإنشاء مستشفيات ميدانية بسعات أقل في عواصم الولايات، من باب التحسب لأسوأ الظروف.. قد أسمعت إذ ناديت حياً.

* يمكن تشييد تلك المستشفيات على شكل (هناقر)، ليسهل تركيبها حالياً وفكها لاحقاً، ويساهم في توفير كلفتها القطاع الخاص مع الحكومة، ويتم توظيف شباب الثورة ولجان المقاومة والحرفيين لتشييدها في وقتٍ قياسي، وأجزم أنهم سيتدافعون لبنائها – تطوعاً- بالآلاف، وسيقرنون الليل بالنهار لإكمالها في لمح البصر.

* قطر ذات الكثافة السكانية المنخفضة بنت مستشفى ميداني بسعة ثلاثة آلاف سرير بالطريقة نفسها في أيام معدودة، وفِي تركيا تم تشييد مستشفى ميداني بسعة ألف سرير داخل مطار أتاتورك بمدينة أسطنبول في ثلاثة أيام.

* كل مصانع الدواء ينبغي أن تتفرغ لإنتاج المحاليل والأدوية ومعينات الفحص والمستهلكات الطبية، ويتم إلزامها بمضاعفة إنتاجها من الكلوروكين.. مصنع سور للألبسة العسكرية ينبغي تحويله إلى إنتاج ملابس الحماية وأغطية الرؤوس والكمامات للأطقم الطبية.

* مصانع (سور) في الخرطوم والحصاحيصا وشندي وكوستي والدويم تنتج عشرين مليون متر من الأقمشة ومليوناً ومائتي ألف بدلة عسكرية سنوياً.. هناك جيش آخر (أبيض) في أمسَّ الحاجة لإنتاج وجهد تلك المصانع حالياً.

* المهندسون الشباب المتفرغون لتصنيع أجهزة التنفس الاصطناعي بإبداع سوداني خارق ومشرِّف يجب أن توفر لهم ميزانية كبيرة، ويتم رفدهم بمئات المهندسين والفنيين كي يسرِّعوا وتيرة عملهم، ويضاعفوا إنتاجهم، مع تحفيزهم بالدولار من قبل الحكومة والقطاع الخاص، ووضع كل إمكانات المصانع السودانية تحت خدمتهم، بما في ذلك المصانع التابعة لمجموعة شركات جياد والتصنيع الحربي.. فالمعركة الحالية وقودها السماعة والحقنة والمحاليل الوريدية والأدوية والكمامات وبقية معينات الحماية.. لا الطلقة ولا المدفع الرشاش.

* نحتاج إلى منهج تفكير إبداعي وإيجابي يتم خارج الصندوق، كي يذلل المستحيل، ويسهل الصعاب، ويحسن توظيف الموارد المتاحة على قلتها لمواجهة الخطر المحدق، بدلاً من الاكتفاء بإعلان أرقام المصابين وحالات الاشتباه، والتباكي اليومي على نقص المعينات وضعف التمويل.

* إنشاء المستشفيات الميدانية ليس صعباً إذ صحَّ العزم، وتطور منهج التفكير.. قبل أيام من الآن شيدت مجموعة (دال للصناعات الغذائية) مركزاً للعناية المكثفة وسلمته للوزارة في أقل أسبوع، وكانت المفاجأة الموجعة أنهم اشتروا معدات المركز وأجهزة التنفس الاصطناعي من (مخازن الإمدادات الطبية) بواقع مليار ومائتي مليون جنيه للجهاز الواحد!

* وزير الصحة يشكو مر الشكوى من انعدام المعينات والأدوية قلة عدد أجهزة التنفس الاصطناعي في البلاد، وأجهزة التنفس والألبسة الخاصة بالطواقم الطبية مُخزَّنة في الإمدادات الطبية وتباع بالمليارات!

* كل شركات الأدوية والمعدات الطبية ينبغي أن تُلزم بخوض المعركة، لتضع محتويات مخازنها تحت تصرف وزارة الصحة، كي تستخدم زاداً وعتاداً لمحاربي الجيش الأبيض.. اليوم قبل الغد، فنحن في معركة ضد الزمن، وفي خضم سباق (عكس الساعة).

* لو تأخرنا أكثر، فستمتلئ المستشفيات بالمرضى قبل أن تعجز عن استقبال المزيد.

* حينها سنموت (موت الضان)، وستتناثر الجثث في الشوارع، ولن تجد من يسترها.

* تحرك يا د. أكرم.. فأنت القائد الأعلى للجيش الأبيض، الذي يمثل حائط الصد الأول للبلاد حالياً.. ضع تلك المقترحات موضع التنفيذ بأمر اللجنة العليا للطوارئ الصحية على الفور، فكورونا ليست هينة (صغيرونة) كما وصفتها بعد أن أذلت أعتى دول العالم، والوضع عندنا خطير، ولا يحتمل التلكؤ، ولا العمل بالنهج المعتاد.

* تحرك من فورك يا سيادة (الجنرال) أكرم.. تحرك قبل أن تشيع الدموع، ويتفشى الألم ويعم الندم.. ولات ساعة مندم.

مقالات ذات صلة

إغلاق