اعمدة الرأي

زاوية غائمة – جعفـر عبـاس – قانون حميري وليس حمورابي

‏لأنني عايشت وعاشرت أوربيين وأمريكان كثيرين في بيئات الدراسة والعمل فإنني لست ممن يعتقدون كما هو شائع بيننا أن الغربيين عموما »حقانيون«، بمعنى أنهم يحترمون الحقوق ويحفظونها، ولا يميلون إلى الظلم، وأن أنظمتهم القانونية عادلة. وهذا كلام لا يخلو من صحة )على الأقل مقارنة بواقع الحال عندنا(، ولكنهم أحيانا يتمسكون بحرفية النصوص واللوائح إلى حد السخف والبله، في بريطانيا مثلا ترتبت متأخرات ضريبية قدرها جنيه ونصف الجنيه على مواطن، وطاردته مصلحة الضرائب بالرسائل، وأحصى صاحبنا كلفة تلك الرسائل لعدة أشهر واكتشف أنهم انفقوا 12 جنيها لمطاردة جنيه ونصف الجنيه، وبعد أن قام بسداد المبلغ المطلوب أرسلوا له إيصالا بالبريد المسجل بكلفة جنيهين.

هذه بسيطة.. في ألمانيا فوجئ محام شاب بخصم 806 يورو من راتبه، وبما أنه يعمل في شركة قانونية كبيرة فقد توجه إلى قسم شؤون الموظفين ليعرف سبب الخصم، فوجد أن هناك تقريرا من مكتب رئيسه في العمل بأنه »يزوغ« كثيرا أثناء ساعات العمل المكتبية الرسمية. فما كان منه إلا أن ذهب إلى رئيسه وقال: عيب يا رجل أنت تعرف أنني لا أغادر مكتبي إلا للذهاب إلى المحكمة أو لملاقاة العملاء بتكليف مباشر منك وانني منضبط في هذه الأمور، فجاءه الرد: كلامك صحيح ولكنك »تزوغ« داخل المكتب. وكيف أزوغ داخل المكتب؟ قال الرئيس: سكرتيرتي لاحظت أنك تقضي وقتا طويلا في دورة المياه، وفي هذا مضيعة للوقت!! طيب يا ريس يا كبير القلب، وهل هناك قانون يحدد المدة المعقولة للبقاء داخل دورة المياه؟.. لا، لا يوجد قانون كذلك ولكن الناس عادة تقضي خمس أو عشر أو حتى 15 دقيقة في دورة المياه وأنت تتجاوز عادة تلك المدة.. صاح المحامي الشاب: تتكلم جد وجاد.. تراقبون من يدخل الحمام وتحسبون كم يقضي داخله؟ وكان الرد أن ذلك لا يحدث عادة »ولكنك لفت الانتباه لكونك تمسخها زيادة عن اللزوم وتطيل البقاء هناك«.. وبالمناسبة فإن سكرتيرتي رصدت جلساتك المريبة تلك واتضح أنك مكثت في الدبليو سي خلال الفترة ما بين 8 و28 نوفمبر من العام الماضي ما مجموعه خمس ساعات.. صاح الشاب: معقولة بس؟ سكرتيرة عندها ساعة بعداد لحساب المدة التي أقضيها في دورة المياه؟.. بعدها دخل الشاب مكتبه وعاد إلى رئيسه ومعه رزمة من الأوراق الصغيرة وقال: لعلمك عندي إمساك مزمن وهذه هي الوصفات التي فشلت في علاجه وهذه تقارير من أخصائي أمراض الجهاز الهضمي!! فقال الرئيس: ولو.. برضو زودتها أكثر من حبتين، ولازم اخصم منك الوقت »الضائع«.. يا ريس هذا ليس وقتا ضائعا بل..

والله هذه القصة غير مفبركة )ربما الحوار مفبرك جزئيا بحكم العادة في هذه الزاوية(، ولجأ المحامي الشاب إلى القضاء، مزودا بتقارير طبية وكسب القضية، فالمسألة بالنسبة إليه لم تكن تتعلق بخسارة بضع مئات من اليوروات، بل لكون رئيسه هو الذي »مسخها« وجعل سكرتيرته تستخدم الستوب ووتش لحصر مدة بقائه في الحمام.، الألمان يثبتون المرة تلو الأخرى أن قانون بلادهم حمار بن جحش.. صاحب مخبز يخصم راتب يوم من عاملة لأنها قضمت قطعة رغيف.. السكك الحديدية تنهي خدمات سائق قطارات لأنه ضبط وهو يدخن سيجارة بينما القطار متحرك.. والقطارات عندهم تسير بالكمبيوتر ودور السائق فقط أن يضغط على أزرار خفض وزيادة السرعة والكوابح / الفرامل.. بس كل هذا كوم وكون الإمساك قد يكلفك نحو 800 دولار من راتبك في نصف شهر كوم آخر، مما يؤكد أن رئيس المحامي الشاب قانوني بعقل حمار.

الحمد لله ففي بلداننا أن من يمارس »الإمساك« عن العمل ينال الترقيات.. وتستطيع أن تتغيب عن العمل شهرا لأنك تعاني من إسهال وربنا يسهل عليك.. لا شهادة مرضية ولا بطيخ فقانون العمل عندنا هو أن »الغائب عذره معه«.

 

مقالات ذات صلة

إغلاق