اعمدة الرأي

جعفر عباس – زاوية غائمة الطبخ مهارة ضرورية للجنسين (2)

‏في كل مرة أقول أمام آخرين إنني من دعاة ان يسهم الزوج في أعمال الطبخ وأنه من الضروري ان يكتسب الرجل مهارات في مجال الطبخ كان هناك من يقول ساخرا: طبعا دا كار أهلك، والكار عند النوبة في مصر والسودان هو المهنة، وصحيح ان النوبيين احتكروا الطبخ في القصور والفنادق في العديد من الدول العربية وطالما ان قوما ينتمون إلى واحدة من أعرق حضارات الأرض لا يرون بأسا في ان يمارس الرجال الطبخ فمعنى ذلك ان ممارسة الرجل للطبخ أمر »حضاري«.

وأعرف أنني مارست اللت والعجن كثيرا في موضوع تقاسم الزوجين لأعباء العمل المنزلية، مستنكرا مقولة »المطبخ مملكة المرأة«، فهي من فصيلة الحق المراد به الباطل، فالمرأة هي ست البيت، ولكن ليس فقط في مجال الأعمال الشاقة المؤبدة، مثل الطبخ والكنس وغسل الملابس وملازمة المريض، والقيام بالواجب نحو الضيوف، ومساعدة العيال في الأمور المدرسية، ولكن أيضا في مجال تعطير جو البيت بالحب والحنان والألفة والمودة، فتصبح بذلك خيط المسبحة الذي يجمع عدة مكونات في تناسق بديع، وطالما هي ست البيت فالواجب على كل أهل البيت وعلى رأسهم الزوج أن »يستتوها«، أي يعاملونها كـ»ست«، ليس فقط بالاحترام والكلمة الطيبة بل بمساعدتها حتى في إعداد الوجبات.

وفي العرف السوداني والعربي فإن الرجل الذي يملأ هدومه لا يدخل المطبخ، ما لم ينفجر أنبوب الغاز أو تصرخ الزوجة إذا جرحت يدها أو رأت فأرا، وتعجبت كثيرا من أمر رجل من كرواتيا أصيب بفشل كلوي، واسترد عافيته بعد أن نقلوا إليه كلية امرأة، وبعد التعافي رفع قضية على المستشفى. لماذا يا رجل وقد نجح الجراحون في إنقاذ حياتك، وصارت عندك كلية فل أوتوماتيك؟ قال إنه بعد زرع الكلية صار يحب الطبخ وترتيب وتنظيف البيت، وغسل وكي الملابس، مما جعله أضحوكة بين أصدقائه، وبالتالي يعتقد أنه صار »نصف رجل«، وما تسبب في ذلك هو الكلية التي حصل عليها من امرأة متوفاة. يعني في ثقافات كثيرة لا يليق بالرجل القيام بأي عبء منزلي.

وكنت قد بدأت مقالي ليوم أمس بواقعة قرأتها في صحيفة عربية عن شابة جامعية فسخ خطيبها العلاقة بعد أن اكتشف أنها وأمها -وبسبب ارتباطات مهنية وأكاديمية- يشترون وجبات جاهزة، وألمحت إلى أن ذلك الغبي يعتقد أن »الطريق إلى قلب الرجل يمر عبر بطنه«، حديث شريف صحيح الإسناد.

والرأي عندي هو أن مهارات الطبخ أقل الصفات المطلوبة في زوجة المستقبل شأنا، فإذا كانت جميلة الخلقة والأخلاق ومهذبة وهاشة وباشة ومؤدبة و»صاحبة واجب«، ولكن أداءها في المطبخ دون الوسط، فتوكل على الله وتزوجها قبل أن يخطفها شخص أعقل منك، فمهارات الطبخ قابلة للاكتساب وفي زمن قصير ولكن الطبع يغلب التطبع، بمعنى أنها إذا كانت نكدية وذات لسان زفر، وعصبية وعلى الهبشة، ولكن مستوى طبخاتها فندقية، فإنها لن تستطيع التخلص من تلك العيوب السلوكية، وسيحسب من يتزوج بها جميع أكلاتها متقنة الإعداد كوسا مطبوخة بالخل.

وفي كل الأحوال لا يعيبك يا رجل أن تدخل المطبخ، ولو لتقطيع مكونات السلطة، أو أن يغسل الحمام، أو لترتيب مفارش كذا سرير، أو خلي عندك دم ولا تنقنق لأن البيت مقلوب فوق تحت، أو لأن الملح زائد في الطعام الموضوع أمامك، وبيني وبينك هناك رجال كثيرون يجيدون طبخات معينة أكثر من زوجاتهم ويجدون متعة في إعدادها، ولكن إياك ثم إياك من غسل العدة/ أواني الطعام، فهذه مهمة لها طقوس نسائية خاصة، ومهما أبدعت فيها لن تسلم من النقد المحبط.

ولا أزعم أنني أسهم في طبخ وجبات الطعام، ولكنني أؤكد أنني لا أعترف بتقسيم العمل المنزلي إلى نسائي/ ستاتي ورجالي )هو عندنا كله ستاتي(، ولا أحس بنقص أو عقدة إذا دخلت المطبخ إذا اقتضت الضرورة ذلك.

وأذكر كيف امتلأت غيظا عندما كنت »مناضلا« في سجن كوبر، واستدرجنا الشيوعيون إلى إضراب عن الطعام، لإرغام إدارة السجن على تسليمنا المؤونة الغذائية غير مطبوخة، وتعجبت لأمر »غاوين النكد« أولئك، ولكن عندما استجابت إدارة السجن للمطلب، اكتشفنا أن بيننا طباخين مكانهم الفنادق لأنهم من النوع الذي يعمل من الفازلين قمر دين.

 

مقالات ذات صلة

إغلاق