اعمدة الرأي

العين الثالثة – ضياء الدين بلال – (عجزٌ أم استهبال؟!)

-١-

 

نبهني بعضُ القراء الأعزاء إلى ما يرونه سبباً أساسياً لضعف المبادرات المجتمعية في مواجهة خطر فيروس الكورونا.

 

كان غالب الرأي يشير إلى عدمِ وجود جهاتٍ ذات ثقة وتقدير جماهيري تتبنى مشروعاً وطنياً لاستقطاب الدعم.

 

فعلاً ما يُؤسف له غيابُ الشخصيات والجهات ذات الرمزية التي يمكن أن تقود المجتمع نحو المبادرات الإيجابية الفعالة.

 

البعضُ سخر من دعوتي لرجال الأعمال والشركات والمصانع للتبرع والإسهام في دعم مؤسسات الحقل الطبي.

 

قال لي أحدُهم : هذا عشمٌ كبير، كان عليك نصحُهم بألا يستغلوا الظرف للضغط على المواطن بزيادة الأسعار وإخفاء السلع!

 

-٢-

 

كان على وزير الصحة دكتور أكرم التوم أن يخرجَ ليُعلن عن الميزانية التي يحتاجها لمواجهة تحديات الوضع، حتى يضعَ الجميع (الحكومة والمجتمع) أمام مسؤولياتهم.

 

كان على الحكومة برئاسة دكتور عبد الله حمدوك أن تفعلَ ما فعلته دولٌ أخرى، بأن تعلن رصدَ ميزانيةٍ خاصة لمواجهة خطر الكورونا، وما سيترتبُ على الإجراءات الوقائية الاحترازية من خسائرَ لقطاعاتٍ واسعة في المجتمع.

 

أمرٌ محزنٌ أن تُسارع جهاتٌ خارجية مثل السفارة الأمريكية،  لدعم خزينة الدولة بثمانية ملايين دولار، قبل أن تعلن حكومتُنا عن دعمها لوزارة الصحة بميزانية استثنائية خاصة!

 

كان على الأقل كذلك أن تعلنَ الحكومةُ عن إعفاءاتٍ أو دعوماتٍ أو أي اجراءاتٍ تخففُ الخسائر عن القطاعات المتضررة من حظر التجول ومنع السفر داخلياً وخارجياً.

 

-٣-

 

في كل الدول التي أُعلنت فيها إجراءاتٌ استثنائية للحد من انتشار فيروس الكورونا وُضعت معالجاتٌ مُصاحبة للقطاعات المتضررة.

 

نعم إمكانياتُنا أقلُّ بكثير من تلك الدول ولكن بالإمكان فعل ما هو في الاستطاعة ولو قليل.

 

الحكومةُ لا تستطيعُ إنجاز كل المهام وتلبية كل المطلوبات ولكن دورُها المهم والمركزي تفعيلُ المجتمع وتفجير طاقته الخيِّرة.

 

-٤-

 

في الخرطوم مثلاً أكثر من ٧٠% من السكان يكسبون قوتَ يومهم من كدحهم اليومي ما بين الجبل والسهل وما بين الصعب والسهل .

 

فغالبُهم لا يستطيعون الإيفاء بمتطلباتهم الضرورية إذا لم يخرجوا من منازلهم الطرفية البعيدة من الصباح إلى المساء!

 

قد يستطيعون احتمالَ ذلك الظرف القهري، ليومٍ أو يومين، ولكن في اليوم الثالث سيجدون أنفسهم أمام واحدٍ من احتمالين : الخروجِ والتعرضِ لخطر الكورونا أو البقاءِ في البيت في انتظار الموت جوعاً!

 

-٥-

 

يحب أن تكون حزمةُ الإجراءات الاحترازية الوقائية غيرَ مستلفةٍ بكسل من تجارب الآخرين.

 

في تلك الدول بإمكانِ الخدمات والإعانات أن تأتي لطالبها حيثُ يقيم، دون أن يضطر للخروج.

 

أما في السودان فهنالك صعوبةٌ وعسرٌ في الحصول على ضروريات الحياة حتى ولو ذهبتَ في طلبها من الصباح إلى المساء، دعك من أن تنتظرها في البيت!

 

ما الفائدةُ من اختصارِ الصلاة في المساجد والتباعدِ بين المصلين، مع استمرارِ الازدحام في الأسواق وتلاحمِ الأنفاس في المواصلات العامة؟!

 

ما الجدوى من حظرِ التجول ليلاً وقتَ السكينة والنوم بعد عودة الناس إلى منازلهم، مع استمرارِ التداخل والاختلاط طوالَ النهار؟؟

 

-٦-

في إحدى القرى الريفية ما يُعرف بالحفير وهو مكان منخفضٌ تجتمع فيه مياهُ الأمطار الملوثة، يشرب منه البشرُ والدوابُ طوالَ العام ويتبركُ البعضُ بأكل طينه.

 

مع ذلك ظلت وحدة حماية المستهلك المحلية تنشط بحماسٍ في ملاحقة السلع البسيطة؛ منتهيةِ الصلاحية!

 

-أخيراً-

 

السودانُ بين غالب الدولِ حالةٌ مجتمعيةٌ خاصة، بكل تعقيداتها وتعرجاتها الاقتصادية، فهو في حاجةٍ لإجراءاتٍ (سودانوية) مبدعةٍ وخلاقة، تراعي ذلك الوضع وتستوعب التعقيدات، وتقللُ المخاطرَ في حدود المستطاع.

الاستلافُ من تجاربِ الغير دون مراعاةٍ لخصوصية الوضع، لهَوَ دليلُ عجزٍ إن لم يكن مؤشرَ (استهبال)!

 

مقالات ذات صلة

إغلاق